فوزي آل سيف
34
أعلام من الأسرة النبوية
الشيخ المصطفى وكتاب أم النبي: وقد ألف الشيخ حسين المصطفى من علماء القطيف المعاصرين كتابا بعنوان (أم النبي) فأوفى فيه حقها، وتعرض إلى ما روي في مصادر مدرسة الخلفاء من أحاديث اعتمدها بعض القائلين بعدم نجاة أم النبي، ومن ذلك ما قيل من أن النبي زار قبر أمه، وبكاها ولم يستغفر لها!! لأنه لم يؤذن له في ذلك[102]. وقد ناقش الشيخ المصطفى هذه الرواية وسواها بمناقشات جيدة، نشير إلى بعضها باختصار، فقد ذكر أن في بعضها إشكالا سنديا:حيث ضعف بعض رواتها من قبل شمس الدين الذهبي وهو واحد من اعلام رجالييهم، ومن قبل يحيى ابن معين. وكذلك فإن فيها إشكالا متنيا: إذ أن بعضها فيه فذهب يتخطى بين القبور، ومن المتفق عليه أن قبر آمنة في الأبواء منفرد ومنعزل ليس في مقبرة، فكيف يتخطى القبور ويظهر أن واضع الحديث لم يتقن وضع الحديث. كذلك فإن في الحديث آية النهي عن الاستغفار للكفار: وأن النبي لم يؤذن في الاستغفار لها و الشفاعة لها وإنه نزلت عليه الأية (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَىٰ) فتارة يقولون إنها أنزلت في أيو طالب وهو مات قبل ثلاث سنوات من الهجرة ومرة قالوا حينما زار أمه نزلت في المدينة[103]. فلسنا نعلم هل الآية مكية أم مدنية فإذا كانت مدنية لم تنزل في أبي طالب وإذا كانت مكية فلم تنزل في أم النبي آمنة. لذلك رد هؤلاء هذه الروايات باعتبار اعتلالها السندي الروائي والمضموني المتني. أما نحن الإمامية ففي منجاة عن هذا الأمر كله ونرى أن هذه الروايات ساقطة ونرى أن آمنة كانت في أعلى الدرجات حيث كانت متخيرة منتجبة وقد كانت بعين الله عز وجل. زارها النبي عندما كان راجعا من إحدى غزواته ومال عليها ومال المسلمون مع أن القبر ليس على طريقه إلا أنه ذهب وبكى وأبكى المسلمين معه وذكر خصائصها وخصالها والرواية التي ينقلها عنه المسلمون في: كيف كان بدء أمرك؟ تفيد روايته عنها، فأدركته الرقة وبعبارة أخرى أول جلس أول من مجالس العزاء اقامه عليها رسول الله.
--> 102 ) جاء بألفاظ مختلفة ومتخالفة،منها ما ذكره ابن كثير في البداية والنهاية 2/ 341خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر في المقابر، وخرجنا معه، فأمرنا فجلسنا ثم تخطى القبور حتى انتهى إلى قبر منها = فناجاه طويلا ثم ارتفع نحيب رسول الله صلى الله عليه وسلم باكيا فبكينا لبكاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل إلينا فتلقاه عمر بن الخطاب فقال يا رسول الله ما الذي أبكاك؟ لقد أبكانا وأفزعنا. فجاء فجلس إلينا فقال: " افزعكم بكائي "؟ قلنا نعم! قال: " إن القبر الذي رأيتموني أناجي قبر آمنة بنت وهب، وإني استأذنت ربي في زيارتها فأذن لي، واستأذنت ربي في الاستغفار لها فلم يأذن لي فيه، ونزل علي: (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم، وما كان استغفار إبراهيم لابيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه أن إبراهيم لأواه حليم) فأخذني ما يأخذ الولد للوالدة من الرقة فذلك الذي أبكاني. 103 ) وكذلك ناقشها السيد حسن السقاف الشافعي في كتابه صحيح شرح العقيدة الطحاوية ص 79 حيث اعتبرها من الروايات الشاذة المردودة التي اعتمد عليها المجسمة والمشبهة، وأنه لا يمكن قبولها لعدة أسباب: 1- لأنه معارض للقرآن وهو قوله تعالى: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) وهم من أهل الفترة وأهل الفترة ناجون كما تقدم. 2- أن بكاءه (صلى الله عليه وآله وسلم) على والدته لا يدل على أنها من أهل النار بدليل أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) بكى على ابنه إبراهيم (عليه السلام) وقال: “إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون” رواه البخاري (3/ 173) ومسلم (4/ 1808). 3- لما أذن الله تعالى له بزيارة قبرها دل على أنها ليست كافرة ولا من أهل النار، لأن الله تعالى نهاه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يقوم على قبور الكفار والمنافقين بقوله تعالى: (ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون). 4- وفي سند هذا الحديث من طريقيه عند مسلم: يزيد بن كيسان وهو ضعيف، قال يحيى القطان: “ليس هو ممن يعتمد عليه، هوصالح وسط” وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: “يكتب حديثه، محله الصدق، صالح الحديث. قلت له: يحتج بحديثه؟ قال: لا، هو بابة فضيل بن غزوان وذويه، بعض ما يأتي به صحيح وبعض لا، وكان البخاري قد أدخله في كتاب الضعفاء فقال أبي يحول منه”.